فخر الدين الرازي

358

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل » فذاك هو قوله : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وفيه مباحث : الأول : العراء المكان الخالي قال أبو عبيدة إنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه . الثاني : أنه تعالى قال : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه ، والنبذ إلى نفسه ، والنبذ إنما حصل بفعل الحوت ، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى . ثم قال تعالى : وَهُوَ سَقِيمٌ قيل المراد أنه بلي لحمه وصار ضعيفا كالطفل المولود كالفرخ الممعط الذي ليس عليه ريش ، وقال مجاهد سقيم أي سليب . ثم قال تعالى : وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ظاهر اللفظ يدل على أن الحوت لما نبذه في العراء فاللّه تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين وذلك المعجز له ، قال المبرد والزجاج كل شجر لا يقوم على ساق وإنما يمتد على وجه الأرض فهو يقطين ، نحو الدباء والحنظل والبطيخ ، قال الزجاج أحسب اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به وهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل له اليقطين ، روى الفراء أنه قيل عند ابن عباس هو ورق القرع ، فقال ومن جعل القرع من بين الشجر يقطينا كل ورقة اتسعت وسترت فهي يقطين ، قال الواحدي رحمه اللّه والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما : أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته اللّه لأجله والآخر : أن اليقطين كان معروشا ليحصل له ظل ، لأنه لو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به . ثم قال تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وفيه مباحث : الأول : يحتمل أن يكون المراد وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت وعلى هذا الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام ، فالمراد به التقديم والواو معناها الجمع ، ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد الالتقام ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت ، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأول ، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين ثانيا بشريعة فآمنوا بها . البحث الثاني : ظاهر قوله : أَوْ يَزِيدُونَ يوجب الشك وذلك على اللّه تعالى محال ونظيره قوله تعالى : عُذْراً أَوْ نُذْراً [ المرسلات : 6 ] وقوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وقوله تعالى : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [ طه : 113 ] وقوله تعالى : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل : 77 ] وقوله تعالى : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 9 ] وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد وهو أن يكون المعنى أو يزيدون في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة ، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا . ثم قال تعالى : فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ والمعنى أن أولئك الأقوام لما آمنوا أزال اللّه الخوف عنهم وآمنهم من العذاب ومتعهم اللّه إلى حين ، أي إلى الوقت الذي جعله اللّه أجلا لكل واحد منهم . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 149 إلى 160 ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 )